أبي منصور الماتريدي

440

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أي : خلق فعل الاهتداء منه فاهتدى . وقيل : تاب عليه ، أي : تجاوز . وقيل : إن التوبة « 1 » هي الرجوع . رجع آدم عن عصيانه ؛ فرجع هو إلى الغفران

--> ( 1 ) التوبة في اللغة : العود والرجوع ، يقال : تاب ، إذا رجع عن ذنبه وأقلع عنه . وإذا أسند فعلها إلى العبد يراد به رجوعه من الزّلّة إلى الندم ، يقال : تاب إلى الله توبة ومتابا : أناب ورجع عن المعصية ، وإذا أسند فعلها إلى الله تعالى يستعمل مع صلة وهي ( على ) ويراد به رجوع لطفه ونعمته على العبد والمغفرة له ، يقال : تاب الله عليه : غفر له وأنقذه من المعاصي ، قال الله تعالى : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ التوبة : 118 ] . وفي الاصطلاح : التوبة هي : الندم والإقلاع عن المعصية من حيث هي معصية ، لا لأن فيها ضررا لبدنه وماله ، والعزم على عدم العود إليها إذا قدر . وعرفها بعضهم بأنها : الرجوع عن الطريق المعوج إلى الطريق المستقيم . وعرفها الغزالي بأنها : العلم بعظمة الذنوب ، والندم والعزم على الترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضى . وهذه التعريفات وإن اختلفت لفظا هي متحدة معنى . وقد تطلق التوبة على الندم وحده ؛ إذ لا يخلو عن علم أوجبه وأثمره وعن عزم يتبعه ؛ ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الندم توبة » ، والندم توجّع القلب وتحزّنه لما فعل وتمنى كونه لم يفعل . قال ابن قيم الجوزية : التوبة في كلام الله ورسوله كما تتضمن الإقلاع عن الذنب في الحال والندم عليه في الماضي والعزم على عدم العود في المستقبل - تتضمن أيضا العزم على فعل المأمور والتزامه ؛ فحقيقة التوبة : الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يجب وترك ما يكره ؛ ولهذا علق - سبحانه وتعالى - الفلاح المطلق على التوبة حيث قال : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ النور : 31 ] . وقد ذكر أكثر الفقهاء والمفسرين أن للتوبة أربعة شروط : الإقلاع عن المعصية حالا ، والندم على فعلها في الماضي ، والعزم عزما جازما ألا يعود إلى مثلها أبدا . وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي ، فيشترط فيها رد المظالم إلى أهلها أو تحصيل البراءة منهم . وصرحوا كذلك بأن الندم على المعصية يشترط فيه أن يكون لله ؛ ولقبحها شرعا . وهذا معنى قولهم : الندامة على المعصية لكونها معصية ؛ لأن الندامة على المعصية لإضرارها ببدنه ، وإخلالها بعرضه أو ماله ، أو نحو ذلك - لا يكون توبة ؛ فلو ندم على شرب الخمر والزنى للصداع ، وخفة العقل ، وزوال المال ، وخدش العرض - لا يكون تائبا . والندم لخوف النار أو طمع الجنة يعتبر توبة . واعتبر بعض الفقهاء هذه الشروط أو أكثرها من أركان التوبة فقالوا : التوبة : الندم مع الإقلاع والعزم على عدم العود ، ورد المظالم ، وقال بعضهم : الندم ركن من التوبة ، وهو يستلزم الإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العودة ، وأما رد المظالم لأهلها فواجب مستقل ليس شرطا في صحة التوبة . ويؤيد هذا الرأي ما ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الندم توبة » . وعلى جميع الاعتبارات لا بد من التنبيه على أن الإقلاع عن الذنب لا يتم إلا برد الحقوق إلى أهلها ، أو باستحلالهم منها في حالة القدرة ، وهذا كما يلزم في حقوق العباد يلزم كذلك في حقوق الله تعالى : كدفع الزكوات ، والكفارات إلى مستحقيها . ورد الحقوق يكون حسب إمكانه : فإن كان المسروق أو المغصوب موجودا رده بعينه ، وإلا يرد المثل إن كانا مثليين والقيمة إن كانا قيميّين ، وإن عجز عن ذلك نوى رده متى قدر عليه ، وتصدق به على الفقراء بنية الضمان له إن وجده . فإن كان عليه فيها حق : فإن كان حقا لآدمي كالقصاص اشترط في التوبة التمكين من نفسه وبذلها للمستحق ، وإن كان حقا لله تعالى كحد الزنى وشرب الخمر فتوبته بالندم والعزم على عدم العود . -